تغريني كتابة الرسائل، ربما لأنها تفترض ان
هناك قارئ واحد سيقرأها، او لانها هي العروة الأقرب لربط بين قارئ وكاتب، لم اكن
في يوم من الأيام احلم بأكثر من قارئ واحد، بل انني في أحيان كثيرة كنت العب
الدورين معا، حتى خلت انني استطيع الفصل بين الدورين بشكل جيد، فكنت اكتب رسائل
فتاة لحبيبها وارد على تلك الرسائل، وكان ذلك يشبه لعبة الشطرنج التي كنت العبها
أحيانا وحدي، والوحدة لم تكن بالامر السيء على الاطلاق فهي تشعرك بالحرية فأنت
قادر على ان تقول ما يزعجك بكل وضوح وبساطة لمن يسمعك ويفهمك بشكل جيد، بل انك كنت
تتجرأ وتقول ما لن تستطيع ان تقوله حتى لاقرب المقربين اليك، وكان هذا الحاجز
الخفي الذي يحز في مؤخرة رأسك ليمنعك من ان تكون صريحا بشكل كاف قد انتهى، لعل بعض
الكتاب تجاوزوا هذه المرحلة او تمردوا عليها، فلم يكن يهم مثلا صاحب الرغيف الحافي
ان يقول انه كان يجامع شجرة، او ان يعترف اخر بقبح صنيعه ، لكن هذا لم يكن يعنيني
فكل انسان له افق امامي هو ما يراه في حياته اليومية وافق اخر داخلي قد يكون أوسع
واكثر رحابة مما امامه لكنه قد يكون أيضا مظلم ويشبه العيش في الضباب الكثيف، وهنا
اتوقف قليلا لانظر الى افقي الداخلي، ذلك الذي يشبه الدخول في ازمنة مختلفة،
فعندما انظر في داخلي امعن فيما امامي بل واتقدم حتى اظن انني لا استطيع الخروج
ثانية، وهذا أيضا ما اشعره في الزمانين المتجاورين بين ان يكون أليفك معك او ان
يكون في عالم الغيب... وقصدت ان أقول الغيب لا الموت، لان الموت هو حد فاصل أيضا
بين افقين، في الأفق الذي كنت اتحدث عنه كان الجسد هو الحد الفاصل ما خارجك وما
داخلك، اما الغيب فهو ما حولك هنا وما حولك هناك، يتلاشى الجسد لتنطلق الروح الى
عوالم لا نعيها لكنها موجودة لا ريب في ذلك، عندما اتحدث الى صديقي الذي غاب، ادرك
تماما ان تلك اللحظة التي انطلقت فيها روحه من الجسد الذي تركته ممزقا يبكي على ضياعه
الاحبة، تلك اللحظة هي اللحظة الفاصلة...اللحظة التي لن ادركها الا بالدخول فيها،
لكني أحاول تحسسها واحيانا انجح في ذلك، عندما جلست امام قبر امي لم اكن أرى القبر
بل كنت اراها طيفا بجسد بدأ يفقد حدة وجوده، هم بجانبنا لكنهم بعيدون، تماما كأن
يخفق قلبك بشدة انت لا تراه لكنه يهز جسدك للحد الذي تعتقد انه سيخرج من مكانه او
سيخرجك انت من هذه الحياة، عندما نبدأ بالكتابة نضع للورقة البيضاء افق اخر، يمتد
ويمتد، لينشئ عالما متكاملا الورقة التي ادركت عمقها وعمق الأفق الذي تقدمه لي،
كنت اراقب تشكل الحروف اتحادها وانفصالها وما تحدثه من وقع وما تخفيه من معاني حتى
أصبحت الكتابة جزء من روحي، كنت اشعر ان الكتابة تتجاوزني أحيانا وتتشكل كما تريد
لا كما اريد، وكنت اتركها تفعل ذلك فبعد ان تنتهي لحظة الكتابة وتتخلص الحروف من
اصابعي وتزهو الورقة البيضاء بما أعطيت من حروف، اعود كما يعود الانسان من رحله
عميقة في داخله، اعود لاكتشف ان الحروف أنجزت شيئا ما قد يكون نصا شعريا او غير
ذلك، وكنت اسأل نفسي أحيانا لماذا فعلت اصابعي ما فعلت، فيهمس لي قلبي ان هذا صوتي
فدعيه وشأنه، لم اكن استطيع ان اغير الكثير، واترك كل شيء كما كان، استغرب ممن
يقول انه يعيد نصه عشرات المرات ثم لكثرة التعب يرسله للنشر، انا لم اكن اعيد او
اغير شيئا الا نادرا جدا، وكنت اهمس لنفسي لعلي لم اكن حريصة كل الحرص على ما فعلت
اصابعي، او كنت اقرا في محاولة للتعرف على ما يخطر في قلبي من أمور، كنت ادرك ان
اصابعي تتحرك بإرادة من قلبي دون دخل لعقلي فإن تدخل الأخير فسدت الكتابة ....
اعود للكتابة لماذا تغريني الرسائل هل لأنها رغبة مني بأن أكون مع اخر؟ من هو هذا الاخر؟؟؟
فكرت بأن ارسل هذه الكتابة لك انت ... ولكن من انت ؟ .... هنا وضعت أسماء كثيرة
تصلح لتكون الاخر، ليس لشيء الا لتكون رسالة فحسب تبدأ بعزيزي فلان او عزيزتي
فلانه,,, ثم ماذا ؟ ماذا نريد ان نقول ؟ لم اصدق ان هناك كانت ديباجة يعتمدها
الناس في الزمن القديم لرسائلهم... ولم اصدق ان الرسائل لها حياتها أيضا، لكني لا
اود التحدث عن الرسائل بقدر رغبتي بالتحدث عن الكتابة، بالأمس كنت استمع لموسيقى
جميلة وفجأة اندلع في روحي حريق، وددت ان اغادر جسدي على عجل، ان انطلق في عوالمي
الكثيرة، وددت لو استطيع ان اضع جسدي في الماء واتركه يعوم بلا إرادة سوى إرادة
الماء الذي يرفعه، طافيا بغير هدى، في تلك اللحظة التي تمثلت هذا الطفو خطرتَ في
بالي، انت أيها القارئ الذي لم احدد بعد من سيكون، فكرت ان الماء الذي يحمل جسدي
على صفحته بغير عناء وبلا مبالاة قد يكون له هواجسه أيضا، او شيطانه الذي قد يسر
اليه بخطة ما ان يغرق هذا الجسد، او ان
يرمي به الى التيه، قد يكون الماء اقل شرا من ذلك ويفكر ان لهذه الصورة التي تراها
السماء الان وقعا يشبه وقع رسومات دالي* جسد متعدد الأفق ساقته موسيقى الى بحر
يهجس بالجريمة، ولكن ما الذي اتى بكلمة الجريمة ... تلك الكلمة الحادة التي تحمل
بين طيات حروفها خيانة ما... الخيانة... أتدرى انها كلمة صادقة جدا وعارية جدا
...نحن نخون طوال الوقت، فمثلا الا تعد الكتابة لك ثم إخفاء من انت خيانة؟؟؟ الا
يعد اخفائي الكثير من الكلمات والرغبات وحتى اللعنات خيانة ؟ الا تعد الكتابة بأصابعي
التي يقودها عقلي فقط خيانة ... خيانة لقلبي الذي يخجل كثيرا حين يتعلق الامر به ...
بما يريد وما لا يريد، القلب ليس جهازا للنبض وضخ الدم فقط، انه يفكر ويفرح ويحزن
والاهم من ذلك انه يكتب، يكتب بصدق وعمق أحيانا، واحيانا يود لو يتوقف عن الجري
وراء جسد لا يرحم، يظل واقفا يحاول ان يحارب طواحين الهواء كما سرفانتس * لكن اين
طواحين الهواء ... هل تشبه تلك التي
رأيتها في حمص* او تلك التي نراها في الصور او التلفاز.. هل يهم شكل طواحين
الهواء، ونحن نفتقد لصراحة الهواء ذاته؟؟ عندما فكرت بالرسائل فكرت بك...نعم كنت
اود ان أقول عبر الكلمات الكثير ... لكن الكلمات تذبل ان كانت تعرف انها ستذهب الى
شخص ما سواء كان هذا الشخص حبيب او قريب او حتى شخص يسكن مرايانا، الكلمات تذبل
بغياب القارئ ...هذا الحقيقة ادركتها الان وانا اترك لأصابعي ان تكتب ما تشاء، نعم
غياب القارئ لهذا فإن الرسائل هي المسار الذي يضمن وجود قارئ واحد قارئ يقي الحروف
الذبول، حتى وان لم ترسل تلك الرسالة فإن
وجودها في مكان ما يعني بالضرورة وجود قارئها المفترض، القارئ الذي سيعيدها للحياة
ويفصل معانيها الملتصقة ببعضها البعض، وقد يأخذها على انها تعنيه شخصيا، فيعطيها
اثوابا والوانا ليست لها ربما ... وقد تفسد هذه الحروف كل شيء وتقول للقارئ بكل
بساطة اسمه، فتغير وجهتها تماما، لماذا نبدأ رسائلنا ب" عزيزي/تي" او
" صديق/تي" او ..... لن اكتبها تلك التي ينتظرها أي قارئ فما بالك بقارئ
متعمد قارئ لم يعد يعنيه ان يقرأ... بل ربما وصلته الرسالة فظن انها وضعت في
الصندوق الخطأ ... أحيانا يحدث ان نحب الشخص الخطأ وندرك هذه الخطأ بعد فوات
الأوان، ننظر في أنفسنا وفيمن امامنا ونقول تبا كيف لم أرى؟؟ احينا لتشابه الأبواب
قد تقف عند باب ليس بابك وتحاول فتحه او طرقه ...ثم تدرك انك لست في المكان الصحيح
تظن لوهلة ان هناك خدعه ما لكن ليس في الامر خدعة ولكن بكل بساطة انت أخطأت
الطريق، وضعت رسالتك بصندوق لا تعنيه كلماتك، ربما لأنه الوحيد الذي تراه اماك او
لانك تعودت ان لا تأبه لمصير كلماتك طالما انها خرجت من بين اصابعك وكفى، عندما
قال مكسيم غوركي* عن التجربة التي لا بد منها وكان يقصد الحب، قلت في نفسي نعم كل
شيء في الحياة تجربة قد تعطيها الحياة لنا ليكتمل جانبا فينا وقد لا تسمح بذلك،
تماما كما حدث مع مريم* ومريم هي الابنة التي حلمت بإنجابها، لتكتمل تجربة ما من
تجارب الحياة لكن الحياة ذاتها لا تأبه فهي غير مخولة بإدارة اقدارنا ابدا، ثم
ماذا يعني ان لا تأتي مريم ؟ مثلما ان تتمنى امنية ثم لا تحقق ...
لا يهم فالحياة بها أشياء كثيرة نحتفي بها او ندرجها في تاريخنا ...
العوالم التي تنشئها الكتابة هي أيضا بُعد يستحق ان نحتفي به، الخيال اعظم ما
نستطيع للتجاوز عن الكثير من الأمور .. كأن اتخيل انك سعيد جدا برسالتي هذه، ولكن
لماذا هنا يكمن سؤال اخر يشغلني حقا، انا لم اكتب لك وفي ذات الوقت افترضت انك
القارئ ... أي انني كتبت لك ! والكلمات التي تتشكل على صفحة الورقة البيضاء تكتشف
ذاتها، مثلما تتساءل اصابعي عن السؤال المعضل الذي يلجأ اليه الناس فيقلبونه
ويخترعون له اجابات كثيرة ...هل اصابعي مخيرة او مسيرة ؟ ثم لو كانت مخيرة واختارتك
انت كقارئ هل ستكتب لك شيئا خاصا... على اقل هل ستبدأ بكلمة "عزيزي" او
..."حب...." لا لا اظنها تفعل لان هذه الكلمة لم يعد لها وقع كما
السابق، هذه الكلمة كانت كلمة صادقة في زمن ما، وفي زمن اخر كانت عنوان للخداع وفي
زماننا هذا أصبحت خالية من كل شيء، حتى انا استطيع ان اسمع اصابعي وهي تفكر ماذا
لو كتبتها مكتملة لمجرد التجربة ؟ وهل يحق لنا ان نجرب في كلمة كانت لها مهابتها
كما الشعر الجاهلي ؟ ولماذا اذكر الشعر الجاهلي ؟ كان ذلك الشعر يبتكر صورا غاية
في الروعة لكن الزمن جعلها تبدوا مستهلكة وسخيفة عندما يكتبها شاعر حالي.... لكن
الشعر في حد ذاته لم يفقد مهابته فحتى الان نستطيع ان نقرأ "الخيل والليل
..." ونفكر أي رجل هذا الذي يرفع رأسه وقلمه وسيفه في سبيل فكره وكتابته...
أتدري بعد كل هذه الكلمات ادركت ان الكتابة هي ما يحاول قلبي وتحاول اصابعي ان
تتحدث عنه، وربما لهذا كنت انت القارئ المتعمد ... لأنك قارئ عزيز يشبه انعكاس
صورتنا في الماء، لكنها ليست ذات الملامح او العمق او حتى التكوين، بل ان عمق
الماء مختلف فمثلا قد تخرج ملامحنا وفي خلفيتها بحر او سماء .. لتراك الضد في كل
شيء ... كأن هذا الانعكاس ما بين عالمين مختلفين، عالم صنعته كلماتي وعالم صنعه
افقك الذي سيقرأ... كنت دائما افكر وربما كتبت ذلك مرارا... لماذا لا نقول كلمة
الحب ببساطة بلا مقدمه طويلة جدا ولكن هل الحب بسيط لهذه الدرجة؟ اذا لماذا لا
يكتمل ليصبح شجرة مثلا فالاشجار تعيش طويلا...نعم تفقد اوراقها وثمارها وتفقد
الكثير وتمتلئ بالعقد الزمنية لكنها تظل شجرة ذات عمر مديد... الحب بسيط عندما
ندرك اننا طرفيه الذين فهماه جيدا واصبح ليس هو المقصود بحد ذاته ولكن ما يقصد به
ذلك الهواء الذي نتنفسه دون ان نعي حقيقته جيدا..
الأربعاء، 27 نوفمبر 2024
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق