الثلاثاء، 20 مايو 2008

ضفاف وماء



ضفاف وماء ...
أنت قربي، أغسل بعض الملابس وأعلّقها على حبل في مقابل النهر، أراني وأنا أجلس على ظهر المركب أراقب انفعال الماء... ولا أجد حرجا من التوحد بك في اللحظة ذاتها، امرأة تقف على حافة النهر وأخرى تنظر إليه من داخله وثالثة عاشقة تجمع شتات الروح كلمات ...
كيف استطعت أن أكون ثلاثة وفي قلب كل منهن أنت واحد ؟؟
بالأمس جلست طويلا وحدي في الليل، أرقب حركة المركب البطيئة ونبض قلبي...
أستدعي الأحباب وأتحدث إليهم ...
- عايدة شو مالك ؟؟
ابتسمتُ، أمي دائما تعرف ما بعينيّ وتعرف مساحة الليل التي أتجول فيها..
- لا شيء فقط هذا النسيم الجميل .. الماء والعتمة ...
كانت تراقبني بمحبة وكنت أشتاق إليها كثيرا ...عدت في الدرب ثانية ..صغرتُ .. "أم الجدايل الذهبية" تخرج من ملامحي الثلاثينية ..اقتربتُ منها، أخذتْ رأسي على صدرها وضمته بحنو..أخذت تهدهدني
- نامي يا صغيرة نامي تذبحلك الحمامة ..
يا حمامة ما تخافيش بضحك على عايدة تتنام...
نمتُ قليلا...ابتسمتْ نبضاتي كان الماء ينساب من مسام جسدي وكأنه بعث ... أنا الآن أتوحد مع النهر والليل... الصوت يزداد بهاءً كأنه موجة حانية، أرفع رأسي
إلى وجه أمي
- لا أريد للحمام أن يخاف...
تضحك أمي تضمني ... تقول بشوق
- الحمام ما بخاف من الشلبية (الجميلة)
- وهل أنا جميلة ؟؟
تمسك بالجديلة تتحسسها، تمسح على رأسي ... تبتسم
- أنت ست البنات
أضحك
- وغزال أيضا...!
أرفع راسي ..إليها.. أنظر، كان أبي يجلس بالقرب..ينظر إلينا بعيونه الزرقاء وروحه المشرقة دوما، حاول إغاظتي
- طبعا غزال...!
- كل فتاة بأبيها معجبة و تشبهه..
يبتسم ... أسأله بمشاكسة : هل أشبهك ؟؟
- لا ..
ألمح ابتسامته ورغبته بأن أؤكد أنني أشبهه لذا أقول
- دائما نختلف !
يبدأ بالحديث عن عبد الناصر وعن الثورة وعن كثير من الأمور التي أصغي لها بصمت ولا أعلق إلا قليلا...
يحاول مشاكستي ... جرّي لجدال ما... لكني أبقى على ابتسامتي وصمتي...
يصمت.. تصمت ضحكته... فأمد يدي وألتقط يده...
- كم اشتقت لمشاكستك وعيونك الزرقاء وضحكتك المشاغبة !
يبتسم بارتياح...
أنهض باتجاه سور المركب... أنظر في الأفق... الأشجار التي تحيّينا وتنصرف ... البيوت البعيدة المضاءة لتعطي لهذا الليل بهاءً وشجنا جميلا...
أتجول قليلا ... حركة المركب الهادئة وأنا فوقه راية مطمئنه ترنو إلى الأفق البعيد ... أفكر بالعجوز الذي قابلته بالأمس... لقد تحدثنا كثيرا قال " لو لم تكوني حدثتني على الأغلب ما كنت سأتحدث معك.".
يبتسم ... يتابع
- غدا سأتصل بك لأسألك عايدة كيف حالك..عايدة ..
يلفظ اسمي بطريقة جميلة .. أبتسم له، يصر أن يعطيني الدليل السياحي عن مصر فهو لم يعد بحاجة إليه لأنه سيكون بعد يومين في لندن، ألمح في عينيه رجاء أن أقبل، يصر
- هذه هدية
ابتسم له
- شكرا لك..
الليل يوحي إلي أن اقرأ شعرا.... أفتح الحاسوب... أبدأ في الكتابة فأجدكَ تحتل الصفحات.... لا أقوى على لعنكَ... لقد جهزتُ لك " تعويذة" سأهديكَ إياها حين أراكَ أو هي "لعنة" ستبقى للأبد...
فاجأتني
- ماذا تكتبين...؟
أخفيتُ شاشة الحاسوب ضاحكة " لم اكتب عنكَ شيئا.."
قلت بمكر " كاذبة ..."
ضحكتُ ... لقد تعادلنا ... قلتُ لك بالأمس حين أخبرتني أنكَ لم تعد تحبني " كاذب "
وها أنتَ تنعتني بالصفة ذاتها...
قرأتُ لكَ قليلا ...ثم رفعتُ نظري إليك كنتَ تنظر إليّ مباشرة ...
- تعال ِ نرقص ..
أخذتُ يدكَ ... أغلقتُ الحاسوب ومضينا إلى الداخل... كان الجميع يرقص، أخذتني بين ذراعيك... وضعتُ ذراعيّ حول عنقكَ... نظرتُ إليك طويلا قبل أن أبتسم وأذهب بنظري بعيدا عنك
- لماذا تبتسمين...
- أرغب في تقبيلكَ ... همست لكَ
قلتَ لي "ولماذا لا تفعلين...؟"
أجبتكَ " أخجل..."
قطبتَ حاجبيك َ " من الناس..؟"
- بل منكَ...
رفعتَ وجهي إليكَ ... قبلتَ شفتي ... ابتسمتَ قلتَ
- أنا لا أخجل منكِ
وضعتُ رأسي على صدرك وأخذنا ندور...
- لقد حلمتُ أننا سنرقص معا على ظهر مركب في النيل...
- يا عايدة هذا لم يكن حلما...
- ؟؟
- لقد كنا نرقص على ظهر مركب في النيل يوما... وها نحن نصل ذلك اليوم ونتوحد به..
أضع إصبعي على شفتيكَ، أعيد رأسي إلى صدرك، أضمك بعمق، أرفع رأسي ..أبتسم لك..
- فكرتُ ثانية..
- بماذا ؟؟
- لن اخجل منكَ وسوف أقبلكَ..
تضحكْ...
أعود لحاسوبي... أكتبُ لكَ رسالة أخرى ... أشعر بشوق شديد إليكَ...
أرفع رأسي .. أرى إبتسامة أمي.... ضحكتها النادرة...
أقول لها وأنا أعيد رأسي ثانية إلى صدرها الحنون
- أريد أن أحظى بقليل من السعادة ..
فأشعر بدفق من الحنان يلفح روحي،
تضمني إلى حضنها الدافء ونبتعد في أعماق الليل ....

ليست هناك تعليقات: