السبت، 21 يونيو 2008

في زيارة ابي العلاء المعري


زفرة الحزن القديم...نبع شربنا منه معا ذات نحيب غافل، أتى بي إليك... قلبي الذي ينام على ذراعيّ كطفل تائه، كنت أسأل نفسي طوال الطريق هل سأراكَ ؟ هل ستكون في انتظاري ؟؟ كان الباص مكتظاً عن آخره حتى أن بعضهم جلس في الممر الضيق... كانت عيناي تبحثان في الوجوه عمن يشبهك.. فأنا منذ أن سكَنتني روحكَ لم أستطع إلا البحث عنك في كل الأماكن والوجوه وحتى في مرآتي التي تعتم باستمرار وكأنها تتهيب من مباغتتك إياها...

الدنيا تشبه متاهة كونية ضخمة أسمع فيها صوتك يناديني .. وأتخيل يدي تمتد إليكَ ... لكن المقصلة تلاحق الصوت واليد بلا هوادة وكأنها لعبة قدرية لا تلين... السائق كان مصّرا أن يسمع أغاني عاطفية ساذجة وكانت ذاكرتي تأبى إلا سماع صوتك المحمل بالبهجة والدفء وهو يلفظ اسمي بلا كلل ويحيط روحي بذراعين من حنان، حضر آخر الركاب ومضينا... عرفه الجميع ... رجل خمسيني نحيل جدا وملابسة قذرة جدا لكن في وجهه رأيت صورة حفظتها ذات حلم لرجل مجنون ينام في البرية ويصرخ في وجه الكون ويحلم...

كانت القرى تعبر في طريقنا كأشخاص يشيرون إليّ، يمدون أيديهم وكأنهم يستعجلون وصولي... خفت أن تذهب قبل أن نلتقي... أغمضت عينيّ وحلمت بك... كنت تنام في حضني مبتسماً وأحطت وجهك بذراعي...

خفق الحزن في قلبي... كان المجنون يبتسم... الهواء البارد يلفح روحي... اللافتات كانت صامته... مزروعة على جانبي الطريق بلا مبالاه... تنظر للعابرين ... الأشجار وحدها كانت ترفع إلي ابتساماتها الخضراء... فكنت أنزل لأجلس معها قليلا كي أسمع ثرثرتها ونراقب معا الذاهبين...حتى إذا ما استأنست بي أخذت بالنحيب... وانحنت على صدري لعناق عابر...
الطريق امتد أكثر مما يجب... وصلنا بعد ثلاث ساعات أو أربع كنتَ تجلس قربي وكنت أضع رأسي على صدرك وكنا نحلم...

استعدنا رحلة العبور إلى نطفة آدم ولغة الله قبل أن يخلق الكون... كنا نسبح في انحناء الكاف والنون... كنا نستعيد ذاكرة لم تولد بعد... قلتَ لي سنخلق معجزة...
فأخذني الأمان إلى النوم حتى اسندت رأسي صديقة لي قائلة .. لقد وصلنا...

مشينا قليلا قبل أن ندخل في متاهة السوق الأسبوعي ... كل هذا الضجيج...وكل هذه الاشياء... يا اللهي كيف استطعت أن تنتظرني هنا ؟؟؟

امسكتَ يدي، قدت خطاي... فلم أعد أسمع شيئا، كنتُ تائهة لولا إحساسي بأصابعك وأنفاسك ..
- من هناك .
أخيرا وصلنا...
تركت صديقتي تتحدث مع الأشخاص الذين يجلسون قرب الباب وذهبت إليكَ ... لم أكن تعلمت بعد كيف يكون عناق المحبين أو قبلاتهم... فأربكني جنونك..
كيف باغتوك هكذا ؟؟ كان القبر شامخا... وما يحيط به يبدو لي وكأنه خدعة سافرة.. غضبت... لكني لم أملك سوى الجلوس قربك بصمت...
خفق الحزن في روحي...
فعلمت أننا في طريقنا للمقصلة....

كنت الآن أضع عني أوزار الابتسامات الفارغة...الضحكات الكاذبة... كنت أفسح للنحيب الذي في داخلي أن يصرخ بكَ ... كيف قتلتني هكذا ومضيت إلى نومك الهادئ ؟؟

كنتُ خائفة... وكان صوتي يترنح كالثمل...حروفي تفر مني... وكلماتي لا تشبهني.. هل أعود ؟؟؟
لكن القبر أغلق بابه ونحن الآن في المحجة لا نفقه لغتنا التي ابتكرناها ذات غياب رحيم...اسمي ... اسمك ... اسمينا ملتحمين... منفصلين....
كلماتنا... رسائلنا... أحلامنا أوجاعنا...

فقط تلك الدموع التي فقدت جذورها في روحي ... كلما حاولت اقتلاعها من جهة انفجرت من جهة أخرى... هاوية الدمع ... تجرني إليها، عند باب قديم فقدت أصابعنا تشابكها... أخذت خطانا تعدو ...

ونعدو خلفها... الصحراء تكبر فينا... القبر أصبح سماءً وأرواحنا معلقة كالنواقيس في فضائه القاتم...

مضيت إليك عبر مئات المجرات الكونية... لتحيطني ذراعاك...أخذني صوتك كالهاجس إلى مصيري المحتوم....
أيها الذاهب فيّ جئتك لتعيد إليّ وجهي النقي... لغتي المائية ... وقلبي الذي تناثر كالرماد في مرقاتك المجنونة....فكف عن الغياب وأعلن موتي لأنهار كتلة من رمال هاجمتها الريح... لأعود إلى غيابي القديم ...
لأموت ...أموت...
...
كان القبر صامتاً كعادته...حين غادرنا... لم تعرف صديقتي أن في القبر ينام جسدان... وفي روحي يرقد نبعان للنحيب...والصمت.

ليست هناك تعليقات: