الأربعاء، 27 نوفمبر 2024

تغريني كتابة الرسائل، ربما لأنها تفترض ان هناك قارئ واحد سيقرأها، او لانها هي العروة الأقرب لربط بين قارئ وكاتب، لم اكن في يوم من الأيام احلم بأكثر من قارئ واحد، بل انني في أحيان كثيرة كنت العب الدورين معا، حتى خلت انني استطيع الفصل بين الدورين بشكل جيد، فكنت اكتب رسائل فتاة لحبيبها وارد على تلك الرسائل، وكان ذلك يشبه لعبة الشطرنج التي كنت العبها أحيانا وحدي، والوحدة لم تكن بالامر السيء على الاطلاق فهي تشعرك بالحرية فأنت قادر على ان تقول ما يزعجك بكل وضوح وبساطة لمن يسمعك ويفهمك بشكل جيد، بل انك كنت تتجرأ وتقول ما لن تستطيع ان تقوله حتى لاقرب المقربين اليك، وكان هذا الحاجز الخفي الذي يحز في مؤخرة رأسك ليمنعك من ان تكون صريحا بشكل كاف قد انتهى، لعل بعض الكتاب تجاوزوا هذه المرحلة او تمردوا عليها، فلم يكن يهم مثلا صاحب الرغيف الحافي ان يقول انه كان يجامع شجرة، او ان يعترف اخر بقبح صنيعه ، لكن هذا لم يكن يعنيني فكل انسان له افق امامي هو ما يراه في حياته اليومية وافق اخر داخلي قد يكون أوسع واكثر رحابة مما امامه لكنه قد يكون أيضا مظلم ويشبه العيش في الضباب الكثيف، وهنا اتوقف قليلا لانظر الى افقي الداخلي، ذلك الذي يشبه الدخول في ازمنة مختلفة، فعندما انظر في داخلي امعن فيما امامي بل واتقدم حتى اظن انني لا استطيع الخروج ثانية، وهذا أيضا ما اشعره في الزمانين المتجاورين بين ان يكون أليفك معك او ان يكون في عالم الغيب... وقصدت ان أقول الغيب لا الموت، لان الموت هو حد فاصل أيضا بين افقين، في الأفق الذي كنت اتحدث عنه كان الجسد هو الحد الفاصل ما خارجك وما داخلك، اما الغيب فهو ما حولك هنا وما حولك هناك، يتلاشى الجسد لتنطلق الروح الى عوالم لا نعيها لكنها موجودة لا ريب في ذلك، عندما اتحدث الى صديقي الذي غاب، ادرك تماما ان تلك اللحظة التي انطلقت فيها روحه من الجسد الذي تركته ممزقا يبكي على ضياعه الاحبة، تلك اللحظة هي اللحظة الفاصلة...اللحظة التي لن ادركها الا بالدخول فيها، لكني أحاول تحسسها واحيانا انجح في ذلك، عندما جلست امام قبر امي لم اكن أرى القبر بل كنت اراها طيفا بجسد بدأ يفقد حدة وجوده، هم بجانبنا لكنهم بعيدون، تماما كأن يخفق قلبك بشدة انت لا تراه لكنه يهز جسدك للحد الذي تعتقد انه سيخرج من مكانه او سيخرجك انت من هذه الحياة، عندما نبدأ بالكتابة نضع للورقة البيضاء افق اخر، يمتد ويمتد، لينشئ عالما متكاملا الورقة التي ادركت عمقها وعمق الأفق الذي تقدمه لي، كنت اراقب تشكل الحروف اتحادها وانفصالها وما تحدثه من وقع وما تخفيه من معاني حتى أصبحت الكتابة جزء من روحي، كنت اشعر ان الكتابة تتجاوزني أحيانا وتتشكل كما تريد لا كما اريد، وكنت اتركها تفعل ذلك فبعد ان تنتهي لحظة الكتابة وتتخلص الحروف من اصابعي وتزهو الورقة البيضاء بما أعطيت من حروف، اعود كما يعود الانسان من رحله عميقة في داخله، اعود لاكتشف ان الحروف أنجزت شيئا ما قد يكون نصا شعريا او غير ذلك، وكنت اسأل نفسي أحيانا لماذا فعلت اصابعي ما فعلت، فيهمس لي قلبي ان هذا صوتي فدعيه وشأنه، لم اكن استطيع ان اغير الكثير، واترك كل شيء كما كان، استغرب ممن يقول انه يعيد نصه عشرات المرات ثم لكثرة التعب يرسله للنشر، انا لم اكن اعيد او اغير شيئا الا نادرا جدا، وكنت اهمس لنفسي لعلي لم اكن حريصة كل الحرص على ما فعلت اصابعي، او كنت اقرا في محاولة للتعرف على ما يخطر في قلبي من أمور، كنت ادرك ان اصابعي تتحرك بإرادة من قلبي دون دخل لعقلي فإن تدخل الأخير فسدت الكتابة .... اعود للكتابة لماذا تغريني الرسائل هل لأنها رغبة مني بأن أكون مع اخر؟ من هو هذا الاخر؟؟؟ فكرت بأن ارسل هذه الكتابة لك انت ... ولكن من انت ؟ .... هنا وضعت أسماء كثيرة تصلح لتكون الاخر، ليس لشيء الا لتكون رسالة فحسب تبدأ بعزيزي فلان او عزيزتي فلانه,,, ثم ماذا ؟ ماذا نريد ان نقول ؟ لم اصدق ان هناك كانت ديباجة يعتمدها الناس في الزمن القديم لرسائلهم... ولم اصدق ان الرسائل لها حياتها أيضا، لكني لا اود التحدث عن الرسائل بقدر رغبتي بالتحدث عن الكتابة، بالأمس كنت استمع لموسيقى جميلة وفجأة اندلع في روحي حريق، وددت ان اغادر جسدي على عجل، ان انطلق في عوالمي الكثيرة، وددت لو استطيع ان اضع جسدي في الماء واتركه يعوم بلا إرادة سوى إرادة الماء الذي يرفعه، طافيا بغير هدى، في تلك اللحظة التي تمثلت هذا الطفو خطرتَ في بالي، انت أيها القارئ الذي لم احدد بعد من سيكون، فكرت ان الماء الذي يحمل جسدي على صفحته بغير عناء وبلا مبالاة قد يكون له هواجسه أيضا، او شيطانه الذي قد يسر اليه بخطة ما ان يغرق هذا الجسد،  او ان يرمي به الى التيه، قد يكون الماء اقل شرا من ذلك ويفكر ان لهذه الصورة التي تراها السماء الان وقعا يشبه وقع رسومات دالي* جسد متعدد الأفق ساقته موسيقى الى بحر يهجس بالجريمة، ولكن ما الذي اتى بكلمة الجريمة ... تلك الكلمة الحادة التي تحمل بين طيات حروفها خيانة ما... الخيانة... أتدرى انها كلمة صادقة جدا وعارية جدا ...نحن نخون طوال الوقت، فمثلا الا تعد الكتابة لك ثم إخفاء من انت خيانة؟؟؟ الا يعد اخفائي الكثير من الكلمات والرغبات وحتى اللعنات خيانة ؟ الا تعد الكتابة بأصابعي التي يقودها عقلي فقط خيانة ... خيانة لقلبي الذي يخجل كثيرا حين يتعلق الامر به ... بما يريد وما لا يريد، القلب ليس جهازا للنبض وضخ الدم فقط، انه يفكر ويفرح ويحزن والاهم من ذلك انه يكتب، يكتب بصدق وعمق أحيانا، واحيانا يود لو يتوقف عن الجري وراء جسد لا يرحم، يظل واقفا يحاول ان يحارب طواحين الهواء كما سرفانتس * لكن اين طواحين الهواء  ... هل تشبه تلك التي رأيتها في حمص* او تلك التي نراها في الصور او التلفاز.. هل يهم شكل طواحين الهواء، ونحن نفتقد لصراحة الهواء ذاته؟؟ عندما فكرت بالرسائل فكرت بك...نعم كنت اود ان أقول عبر الكلمات الكثير ... لكن الكلمات تذبل ان كانت تعرف انها ستذهب الى شخص ما سواء كان هذا الشخص حبيب او قريب او حتى شخص يسكن مرايانا، الكلمات تذبل بغياب القارئ ...هذا الحقيقة ادركتها الان وانا اترك لأصابعي ان تكتب ما تشاء، نعم غياب القارئ لهذا فإن الرسائل هي المسار الذي يضمن وجود قارئ واحد قارئ يقي الحروف الذبول،  حتى وان لم ترسل تلك الرسالة فإن وجودها في مكان ما يعني بالضرورة وجود قارئها المفترض، القارئ الذي سيعيدها للحياة ويفصل معانيها الملتصقة ببعضها البعض، وقد يأخذها على انها تعنيه شخصيا، فيعطيها اثوابا والوانا ليست لها ربما ... وقد تفسد هذه الحروف كل شيء وتقول للقارئ بكل بساطة اسمه، فتغير وجهتها تماما، لماذا نبدأ رسائلنا ب" عزيزي/تي" او " صديق/تي" او ..... لن اكتبها تلك التي ينتظرها أي قارئ فما بالك بقارئ متعمد قارئ لم يعد يعنيه ان يقرأ... بل ربما وصلته الرسالة فظن انها وضعت في الصندوق الخطأ ... أحيانا يحدث ان نحب الشخص الخطأ وندرك هذه الخطأ بعد فوات الأوان، ننظر في أنفسنا وفيمن امامنا ونقول تبا كيف لم أرى؟؟ احينا لتشابه الأبواب قد تقف عند باب ليس بابك وتحاول فتحه او طرقه ...ثم تدرك انك لست في المكان الصحيح تظن لوهلة ان هناك خدعه ما لكن ليس في الامر خدعة ولكن بكل بساطة انت أخطأت الطريق، وضعت رسالتك بصندوق لا تعنيه كلماتك، ربما لأنه الوحيد الذي تراه اماك او لانك تعودت ان لا تأبه لمصير كلماتك طالما انها خرجت من بين اصابعك وكفى، عندما قال مكسيم غوركي* عن التجربة التي لا بد منها وكان يقصد الحب، قلت في نفسي نعم كل شيء في الحياة تجربة قد تعطيها الحياة لنا ليكتمل جانبا فينا وقد لا تسمح بذلك، تماما كما حدث مع مريم* ومريم هي الابنة التي حلمت بإنجابها، لتكتمل تجربة ما من تجارب الحياة لكن الحياة ذاتها لا تأبه فهي غير مخولة بإدارة اقدارنا ابدا، ثم ماذا يعني ان لا تأتي مريم ؟ مثلما ان تتمنى امنية ثم  لا تحقق ...  لا يهم فالحياة بها أشياء كثيرة نحتفي بها او ندرجها في تاريخنا ... العوالم التي تنشئها الكتابة هي أيضا بُعد يستحق ان نحتفي به، الخيال اعظم ما نستطيع للتجاوز عن الكثير من الأمور .. كأن اتخيل انك سعيد جدا برسالتي هذه، ولكن لماذا هنا يكمن سؤال اخر يشغلني حقا، انا لم اكتب لك وفي ذات الوقت افترضت انك القارئ ... أي انني كتبت لك ! والكلمات التي تتشكل على صفحة الورقة البيضاء تكتشف ذاتها، مثلما تتساءل اصابعي عن السؤال المعضل الذي يلجأ اليه الناس فيقلبونه ويخترعون له اجابات كثيرة ...هل اصابعي مخيرة او مسيرة ؟ ثم لو كانت مخيرة واختارتك انت كقارئ هل ستكتب لك شيئا خاصا... على اقل هل ستبدأ بكلمة "عزيزي" او ..."حب...." لا لا اظنها تفعل لان هذه الكلمة لم يعد لها وقع كما السابق، هذه الكلمة كانت كلمة صادقة في زمن ما، وفي زمن اخر كانت عنوان للخداع وفي زماننا هذا أصبحت خالية من كل شيء، حتى انا استطيع ان اسمع اصابعي وهي تفكر ماذا لو كتبتها مكتملة لمجرد التجربة ؟ وهل يحق لنا ان نجرب في كلمة كانت لها مهابتها كما الشعر الجاهلي ؟ ولماذا اذكر الشعر الجاهلي ؟ كان ذلك الشعر يبتكر صورا غاية في الروعة لكن الزمن جعلها تبدوا مستهلكة وسخيفة عندما يكتبها شاعر حالي.... لكن الشعر في حد ذاته لم يفقد مهابته فحتى الان نستطيع ان نقرأ "الخيل والليل ..." ونفكر أي رجل هذا الذي يرفع رأسه وقلمه وسيفه في سبيل فكره وكتابته... أتدري بعد كل هذه الكلمات ادركت ان الكتابة هي ما يحاول قلبي وتحاول اصابعي ان تتحدث عنه، وربما لهذا كنت انت القارئ المتعمد ... لأنك قارئ عزيز يشبه انعكاس صورتنا في الماء، لكنها ليست ذات الملامح او العمق او حتى التكوين، بل ان عمق الماء مختلف فمثلا قد تخرج ملامحنا وفي خلفيتها بحر او سماء .. لتراك الضد في كل شيء ... كأن هذا الانعكاس ما بين عالمين مختلفين، عالم صنعته كلماتي وعالم صنعه افقك الذي سيقرأ... كنت دائما افكر وربما كتبت ذلك مرارا... لماذا لا نقول كلمة الحب ببساطة بلا مقدمه طويلة جدا ولكن هل الحب بسيط لهذه الدرجة؟ اذا لماذا لا يكتمل ليصبح شجرة مثلا فالاشجار تعيش طويلا...نعم تفقد اوراقها وثمارها وتفقد الكثير وتمتلئ بالعقد الزمنية لكنها تظل شجرة ذات عمر مديد... الحب بسيط عندما ندرك اننا طرفيه الذين فهماه جيدا واصبح ليس هو المقصود بحد ذاته ولكن ما يقصد به ذلك الهواء الذي نتنفسه دون ان نعي حقيقته جيدا..  

 


الجمعة، 29 مايو 2020

عتمة




****
على اطراف اصابعها، تدور الحياة في الطرقات، تعبث في الحدائق الخلفية للبيوت، تعيد تشكيل الغيوم المثقلة بلون ابيض، السماء لا تعيرها اهتماما، فلا ثبات للون في نوايا الغيوم، لا شأن للصوت بما تهمس به احلام لا تعي ما يخبئه الدرب، الحياة تضجر من المشي وحيدة، من القفز على اسوار البيوت ومن ضغط انفها الصغير على النوافذ، فتفكر بالبحث عنه ذلك الموت الذي اعتاد على معطفه المظلم، واصابعه الخفية، ذلك الذي يتجول مثلها في البيوت وعلى وسائد الخائفين والمتعبين واولئك الذين يحاولون عبثا ان يعرفوا ... كيف هي الحياة بلا ألم...

عبثا تمد اليه يدها
ذلك البعيد ..
المثقل بالدهشة والفضول
المغلف بالالم الطازج
والضحكة المستحيلة
عبثا تمد اليه يدها
تحاول أن تلتقي به
على اطراف قبلة
ليس لها زمان
او شكل نغتالها به...
عبثا... تمسك يده
فيأخذها الى الهاوية
تلك التي تبدأ من الاعلى ...
في دورانها اللانهائي
نحو الوصول....

الموت يخفي أصابعه، عيونه، ويبقي على قلبه البارد مشرعا كالراية، الموت لا يملك صوتا او لغة، لكنه يملك الدمعة، تلك التي امتلكت الحياة في شفافيتها المالحة... الحياة التي كلما رفعت رأسها اخفتها الغيرة التي لا تقوى على الموت طويلا....

هل اسمعك ؟؟
لا صوت يرتدي كلماتك
لا وجه يغلف ملامحك
ولا أصابع تعرف اشارتك
الخفية نحو قلبي....
هل  اراك ؟؟

كأن الحياة تعبث مع الموت في رقصة كونية، تقلم اظافره الحادة ممسكة بعنقه فيقبل شفتيها باحثا عن خنجره القاتل، تمد انفاسها إلى عينيه المطفأتين فيرمي بها بعيدا قبل ان تلتقطها يده بقسوة بحثا عن قلبها... تبدو كطفلة لا تدرك قسوة الالم او ما تخبئه لها النوايا... ويبدو كمصاص دماء...

ينفجر الماء...
بين اصابعنا
في قلوبنا
وعلى الشفاه...
الماء ... لا يعي سره
فيخفق فرحا للغرق
المثقل بالزائرين...
الاحبة....

يضمها اليه، تشتد الرقصة وحشيه، يقتربان يبتعدان، يتعانقهان يتنافران، يرمي بها ويعيدها، تهرب منه اليه، تشتد الوحشة في الطرقات، يشتد الالم ....تشتد الضحكة

لكن  في نهاية الاشياء،   
يلتقي الموت بالحياة ،
الحياة بالموت ....
يتعانقان ككل المحبين....



الاثنين، 9 مايو 2016

الحـــافـــة 

الحافة التي وقفت عندها هذا المساء لم تكن تحمل نهايات أو قمما عالية أو حتى هاوية سحيقة، كانت حافة من نسيم عليل، تشبه الوقوف في حقل غردت كل طيوره وانتشت اشجاره فجأة، أغمضت عيني ورفعت ذراعي في الهواء، حلقت الارض بي، أما تحملني بين ذراعيها، السماء فكرة طائشة، الاشجار احلام عزيزة في مخيلتي التي بدأت تستعيد طفولتها، يا الله ... 

كلمتني كل مفردات الطبيعة تبادلنا الغناء والضحك، غابت الجاذبية، وحضر قلبي مزهوا باسراب الطيور،  جداول الماء،  ودقات تشبه الفرح، نهر من اقصى القلب ينمو كلما تقدم نحو زوايا الجسد البعيدة،  وقلب يكبر كشجرة نمت دفعة واحدة لتحمل في ذاكرتها آلاف الفصول،  لم اعد ارى قلبي، كان غابة تتكاثر بجنون، الحلم نبته برية، الكلمات نبض يتهجاني ابجدية للارض أو لغة سرية للسماء، لم اعد ارى نفسي، كنت اتبعثر الى ذرات من لغات مختلفة، لكل لغة ابجدية ولكل ابجدية آفاق من المعاني. 

لم تعد الحافة موجودة، كنت انا حدود كل شيء ونقيضه، لم تكن ملامحي تحمل ظلا ولا شكلا ثابتا، كان اسمي وحده يسير في الطرقات التي غابت في الذاكرة ، اسمي الشقي العنيد، يتسول ثباتا واحدة يستطيع أن يقف عنده ويناديني بأعلى صوته، يبحث في ثنايا حروفه عن شجرة، طائر، جسر، حلم بالعودة، أو أم تدعو الله أن يحمي ابنتها من غياب الاسم وضياع وجوده المادي ...يبحث اسمي عن أي درب تعيده إليّ أو تعيدني إليه، لكنه لا يصل...

الحافة لا تزال تحتل مكانا في الوجود ليس له اسم او شكل كثقب اسود، نجمة مطفأة، أو انعكاس في عيني مرآتي، الحافة سرقتني هذا المساء وتركتني في مكان لا يصل اليه الحزن، ولا يقتفيه ألم ولا تتهجاه خيبة، الحافة تقرأني الان كبلورة ساحر، أو فكرة اخيرة في مخيلة طائر لتعيدني طفلة تحلم، بحافة لا تحمل نهايات او قمما عالية او هاوية سحيقة لكنها تخبئ لي دفئا لا تسرقة الفصول القاسية.... 

الجمعة، 7 يناير 2011

الطرقة


الطرقة على الباب تشبه يدا لا تستجيب لصاحبها، لا تفصح عن إرادته ولا تقدم له كأس ماء، الماء المتلاْليء في الكأس لا يخبرنا عن أسرار الحياة وعن سر النهر في ممرات الحلم الجميل، الاحلام العابثة قد تحفظ اسرارانا لتقولها عنا لكن دون أن تتعرى ...

هكذا تستدير الأصوات، طرقات على أبواب عدة، لا نصغي جيداً أحيانا وأحيانا نترك أنفسنا للكسل فلا نرفع رؤسنا أو قاماتنا نحو الدهشة أو الفضول، فتبقى الطرقة عذراء لا تفصح عما تريد....

القطرة تبتل بقطرة أخرى، لكننا لا نرى رطوبة جسدها وشفافية البقعة ولا خصوبة الحياة التي عبرتها، تشتاق الأرض أحيانا لأجسادنا، فتلقي الينا أمنيتها وتكتفي بالعناق، العناق الذي يرتد إلى وجودة السابق في أوتار الوجود، لا تقطع الشمس على أجساد باردة أو ميته إلا لتوقظها، تتحسس الممرات التي توصل إلى الأقبية والزنازين، المرأة صورة للنبض الحاذق لكنها لا ترى سوى ما تفصح عنه العيون الجارحة، عندما تمر البلاد على زجاج النوافذ التي لا تطرقها أيد ... تتلاشى، الوطن أيضا يشبه طرقة .... يشبه انبعاث حزن معتق، الصحراء تعرف ان تتعرى لا لتقيم الشهوات النائمة والحريات المعطوبة لكن لتكتشف سر الماء المخاتل، حين تمتد الدروب تفصح الحياة عن وجودها الحقيقي، لكنها لا تعطينا خارطة الوصول إليها... المساء البهي يشبه الوقوف على شاطئ في يوم شتائي غامض لكنه حنون

آخذ نفسي من يدها واجلسها على حافة انصهار الافق بالماء॥تماما كنقطة متلاشية تتشظى ذوات كثيرة، الطرقة الماكرة تلبس الوجوه اقنعتها البراقة... لا وعيها الحاذق، حين ننفصل عن احبتنا ونلتصق بهم لا نعود نرى....

الماء في إنكساره يشبه بوحي على سطور تتلاشى خيوطها، الذاكرة طرقة في مكان مجهول، عناق لم يتم وتوق لقبلة عمياء، زمن مختلف ذاك الذي يبدد المسافة ويعيد الروح إلى ألوهتها، ويعيد الاجساد إلى طبيعتها الأولى ... لا أعلم غور المسافة لكني أرى الحريق، حين تصعد اليد المتلاشية لا تفصح عن ذاتها، وحدها الكلمة تستطيع أن تسميها، وأنا الاسماء جميعها حين لا تقال....

البسمة المستحيلة تلك التي لا ترتد كالصدى الهارب من شفه لم تعترف بالحب... العيون الدافئة قطعت المسافة عدوا إلى الوراء، لانها رأت.... رأت الطرقة في ولادتها... ولادتها الأولى من يد تتكون ...لكن لا تستجيب.

الجمعة، 15 أكتوبر 2010

لا بأس "قالت أمي"

لا بأس (قالت أمي) من أن أقدم قلبي قربانا لصوت هامس يأتي من كهف بعيد...يحمل في جنباته نبوءة ويعدو نحو الفراغ.... فنحن لا نملك وصاية على ما سيأتي.... لا بأس من أن تصعد أنغام رأعي إلى السماء فتحمل قلبي بين طياتها وتعدو به كشهاب عابر ينبثق من الحنين ويفنى في خاصرة المساء... كلمّا تُقت للصهيل أخذتني الريح وفرت بي نحو السهوب.... هناك في رؤوس الجبال تركت نجمة تضيء قلبي كلما أفلت نبضاته وتوقد في زواياه النيران إذا ما أصابه الصقيع !!!

لا بأس (قالت أمي) من أن نعلق القلب شهيدا في محراب الجنون ونمضي نحو الهدوء الرقراق كتيار دافئ بلا صوت وبلا ضفاف ... يسير بهدوء على جنبات الحلم ويضمحل رويدا رويدا.....

لا بأس أن تحنو عليّ شجرة نسيها الجنود في زاوية التاريخ المحاصر بالخسارات والدماء.... فأنام في حضنها الدافئ وأندفع نحو جذورها حين تسيل أوردتي حاملة توقي واحتراق روحي.... لا بأس من أن تقوم شواهد القبور في السهول وعلى اطراف القرى لتنثر في الفضاء أصوات كل من عبروا على هذه الأرض فأنا أجيد الرقص بين زمانين ...هكذا ستكتب اسمي حبات رمل منذورة لقلبي الشقي .....

لا بأس لو عبرت ذات مساء قُبرة تعرف اسمي على زوايا ابتسامة نادرة لتقول أنني زرعت في الحلم مائة وردة وشجرة واحدة لان الغصن الذي علقت عليه يقظتي انكسر فجأة !!

لا بأس لو حلمت أنني ألتقيك على مسافة من الوطن كافية للصراخ وللطرق على أبواب الجحيم لا تتركونا هنا ...

فيعبر في دمنا آلاف الثوار والعشاق .... وحفاري القبور....

لا بأس لو عبأت رئتي من مطر ينهمر بلا انقطاع فيتشبع جسدي الجاف حد الطوفان... ويرمي بكل ما حمله من أمم إلى خندق الظلم العتيق....

لا بأس لو قلت أنني كففت عن حبك ... وأنني سأسير في الدروب وحدي كما كنت دائما نبية لا يؤمن بها أحد ولا يراها سوى ظلها

لا بأس - ستقول أمي ذات يوم حين أضع رأسي على صدرها-... لا بأس من أن تنامي قليلا فالقلب المتعب لا تكفيه آلاف السنين الضوئية ليتوقف عن الحنين الموجع حد الفجيعة .... لا بأس يا حبيبتي من أن تتركي اسمك قليلا وتقفزي كغزالة شاردة نحو كهف بعيد ...بعيد

الخميس، 31 يوليو 2008

فوضى


كيف يستطيع الإنسان أن يسير وبذور نهايته في داخله؟ وكأنه يزحف نحو موته لكنه طوعا يحمل مرآة تجره إلى الوراء، كيف تختلط الأمور الآن في رأسي فيتداخل الحلم بالواقع ... تنتظم الأصوات والأماكن والناس من جهات عدة في الذاكرة لتصرخ معا بفوضى عارمة، أذكر نهاية الباستيل ملتحمة بصورة جندي أحرقته المقاومة في العراق، وقصيدة شعر تظلل طفلا ينزل علم المحتل عن أرضه بينما طلقات الرصاص تحاول اصطياده ...وجثة خائن معلقة في العراء تتأرجح في ذاكرة امرأة قتلت بداعي الشرف ...وكأن الحياة خليط من أشياء شتى لا تتوقف عند حد ... صوت يقول – هذا مشهد إباحي لا يقرأ على الملأ وصرخة امرأة عجوز تنظر في عيون الفراغ لتستنهضه فلا يرتد من المشهد إلا صورتها في عيون أحفادها الصغار...وأصابعي التي أصابها التعب لكثرة الطرق على الأبواب المغلقة في الذاكرة وفي الحياة تحاكمني لأكف عن تعذيبها في دروب الحزن المكررة، الماء الذي لا يتوقف عن مهاجمة روحي أو في التجلي في صدى المكان ... الصمت الذي يجلب الأحبة والغياب الذي يبدأ به الحضور..هل كان عليّ أن أمشي الدرب إلى آخرة لأعرف؟؟ وهل سأعرف ؟؟ لازالت الصور تأتي بشراسة لتطرق منافذ الروح لتطل على داخلي المتعب، لتحمل الوجوه التي ابتعدت ... الأصوات التي أحببتها فوهبتني خناجر تفجر الألم في روحي كلما حاولت النسيان والنهوض، كم هو قريب وبعيد في ذات الوقت ذلك اليوم الذي قاسمته الهواء والدمع وقلت له لتذهب هذه الروح للجحيم لكن الدرب اضمحل فجأة وأصبحنا غرباء في أرض قاحلة يلعق كل منا حزنه ويمضي في درب أبكم، فتزاحمنا الذكريات تلك الصور الراسخة كالجرح القديم في الذاكرة، كيف ينسى الإنسان صورته ليفاجأ بنفسه في المرآة وينكرها فتضيع منه نفسه حتى ينتشلها أحد ما وهي طافية على وجه الماء الآسن ... لكن قبلة الحياة لا ترد الروح لإنسان نسي نفسه، تعاريج الثوب المطرز لا تزال في ذاكرتي واراها في ملامحي لكنها تختبئ كالأمنيات الكثيرة التي أخذها الذبول..هل كنت أتمنى المستحيل ؟؟؟ لا .. قالت لي عرافة مسنة ستضيّعك قدماك ... خفت النبوءة فأخذت أمشي دون توقف خوفا من الوصول... فانهالت الشمس على ظهري بسياط لاهبة لأكف لكن الخوف كان أكبر من التعب... فمضيت بصوت شجت بحاره الريح أغني، وأنظر حولي... هذه الدروب التي نمشيها مشيناها من قبل ؟؟ يا الفزع ... كيف عدت ؟؟ هو ذات الدرب استدار... أحمل الجريدة لأطالع الكاريكاتير الساخر يحتج على كاتم الصوت فتسقط منه رصاصة وقطرات دم... وتلهج الأصوات بالدعاء وهذا بلال يصرخ من تحت الصخرة (أحد أحد) وتزداد الوجوه حدة...الدرب يستدير وأنا فزعة أحاول العبور إلى ضفتي الأخرى فتحاصرني المعابر والحدود... يخرج الماضي والحاضر وبلال وناجي والشعراء والقتلة يخرجون من ذاكرتي ومن روحي تخرج الأصوات جميعها تنهال عليّ كما انهالت على الجاحظ كتبه ... فأصرخ فزعة لكني أتنبه لصوتي يحاصرني فأتركه وامضي لا ألوي على شيء.

الثلاثاء، 8 يوليو 2008

ما بين القلب والسنبلة


ناداني الوطن يوما قائلا : لا تخطّي على القبور ذكرياتك الذابلة..قلبي مشرع لك شاهدة للحقيقة... وحروفك مسمارية فتقدمي إليّ لنبحث عن ظل لنا...فتقدمت.


(هذه بعض الذكريات التي وجدتها في دفتر قديم ... إهداء للتواريخ..
إهداء لـ (12/9/1999) يوم دخولي فلسطين...)


(لحظة ولادة)
ها أنا استعيد ذاكرتي .. قبل بدء الماء في عروقي... كنت حجراً رمته يد امرأة ضجرة بخط منحنٍ كظل شجرة اتخذت من جذورها مرآة وصعدت نحو خالقها بلا قربان...أستعيد ذاكرة الغرق وكأنني البدء في صلب منذور للخلود في عتمة البحر أو في أوردة الشمس... لتبحث عروقي عن لغتها الأولى...لتمد أحلامها بلا هدى ... تحفر فيّ صرخات مكتومة تدحرج نبضي الصامت... تدفعه .. تقطع حبله السري... تلطم وجهه لتعيد إليه الحياة...
أستعيد ذاكرتي... وأدفع من داخلي شكل أصابعي وأطرافي... أقطع سرتي من جذر الأرض وأنمو كشجرة... أمر على أطيافي كلها... أكسوها بحيوات كثيرة... وأصعد كشعاع نحو بدئي... أستعيدني كما تستعيد أصابعي لغتها المارقة من ظلال القلب لفضاء البياض ... هناك أراني...
***

(خطوة في العدم )
تعبئني المسافات... تفرد ظلها في عروقي .. تسكنني كهاجس يمتد ويمتد تلاحقة الظلال وألفة الأشياء العابرة في فضاء الرؤية ..ولا أجد لروحي معنىً آخر يحيط بي ... يؤازرني في اتكاء الشمس على قامة ظهيرة نزقة أو في صباح يحمل رائحة لا تتآلف مع الصمت...
كأنني جذر نبت في الهواء... وحدها النجوم الغافلة تؤنس مسائي بلا لغة أو أحلام...تدعوني الأصداء البعيدة بلغة لا تفقهني... أتقدم وحدي فتزول الطرقات وتتركني بلا مسافة تسند جذعي وبلا غبار يشي بالوصول...



(*)
أتبادل والضوء سيرة الحلم
ضلع المسافة
ما بين نبضك وقلبي..
فأكبر كالظل
أصابعي المبتورة
تعكسك كلمات صارخة
في جوف جدار خاو
(*)


(نداء)
أيتها المرأة التي تلبس جلدي وتزرعني في الطرقات القاحلة ...خذي يدي وعمديني على جدار الحلم ... اسرقي نبضي من حقول الآخرين... احصدي خطواتي وألحقيني بغيمة مالت نحو المغيب..انثريني كالهشيم في فضاء يكبر كلما أوغلنا بالغياب ويلاحقنا بعواء لا ينضب..


(**)
يا سماء أقلعي
ليغيض النبض
ويبدأ الطوفان...
(**)

(تصريح...)
نبت الرنين فجأة في ضلع السكون فأجفلني...
الصوت الآخر على الهاتف كان ضاحكا... يعرف أن المفاجأة ستجعلني أصرخ ... أضحك لكنه لم يكن يتوقع أبدا أنني سأغلق الهاتف بقوة وأنا أرتجف ،
الرنين من جديد أجفلني ثانية ، قلت : هل تحدثت قبل قليل ؟!
- نعم وإياكِ أن تغلقي الهاتف...
- إذاً ما سمعته صحيح ؟.
- نعم أيتها المجنونة ..
تلاشت ضحكته وتركتني كلوحة زيتية معلقة على الجدار منذ مئة عام ...
غادرت عملي وحين جلست في السيارة فاجأني وجهي المبتسم فهمست لنفسي حصلت على التصريح ، حصلت على التصريح !!
أدرت المحرك وحين التحمت بالطريق بكيت .

(في الطائرة)
تضع غيمة وجهها الحالم على نافذتي... تهمس لي وتبتسم... أمد أصابعي . يحول الزجاج ما بيننا . نبكي فيربط النحيب ما بين روحينا . أغادر مقعدي سرا . تأخذني غيمة من يدي . نرقص
فترفع لنا الجبال هاماتها وتصفق لرفيف الروح في زرقة الفرح...






صهيلٌ يحملُ الحرفَ
على كاهل الحنين..
هناك يحبو الصوتُ
يتعلقُ في الأحراشِ
في ظل الزيتونِ
في الدرب المستدير...
الحلمُ رحم يلف القصائد
المبتورة...
فيثمر الوجعُ
تصعد البرتقالة لحتفها
أصابعي تقيس المسافة
ما بين القلب والسنبلة
(بيسان) تكبر في أضلعي
نتهجى الدربَ ...
نبعثُ خطوة خطوة...
التلال تضمدُ روحي
ترتق عُرا الذاكرة
تفرك الملح في عيون
التعب...
القمر يمد إليّ نهدين
من حلمٍ
فأستعيد من الموت أصابعي
وأمتد حتى آخر
نفخة في الصُّور
(**)