السبت، 21 يونيو 2008

لعنة !


(( أتحايل على الموت، ابذر خطواتي في المسافات البعيدة، وحين اموت أسحبها إليّ كأوتار ضوء تؤنسني في القبر فلا أبقى وحيدة…))

لم يكن الدخول إلى القبر سهلا… على ظهري المنحني أطنان من الأحجار والتاريخ والأوهام ..الهواء يشح ويخرج من مسام الروح بكثير من الضيق…حمدت الله انني تركتك خارجا في انتظاري..! وتقدمت في الممر الذي يشبه القبو، بالكاد تتبين العارضة الخشبية والمعدن الذي يشكل الدرجات…المكان معتم، وضيق لا تفكر بمن هو خلفك .. لكنك تود أن يختفي الذي امامك ويستجيب لك فيختفي بسرعة لتحتل خطاك مكان اقدامه، يمر من جانبك شخص هارب إلى النور لا ترى من ملامحه شيئا لكنك تسمع كلمة (يالله) بكل اللغات… (الله) وكأنهم يستمدون منها الهواء،


كان يطمئنني أنني تركتك خارجا حتى قلبي امسكته بيدي وعلقته على صارية صغيرة انشأتها في هذا الحر وبين جموع السياح والبائعين وضجيج كل شيء…حتى الرمل… تركته لأنني لم استطع أخراجك منه حتى لثوان قليله، هل تعرف أنك نبضي ؟؟ قلبي الذي لم يفطن له أحد ولم يقترب منه أحد..كان قربك وأنت تتأمل اختفائي عبر الممر الضيق.. هل فكرت بي ؟؟ فرت كلمة تشبه اسمك على اللسنة الخارجين بلغة لم افهمها …قلت سيلاقونك قبلي.. ونظرت إلى اتجاه سيرهم المعاكس وابتسمت… كانت الابتسامة تقطر عرقا لكنها حقيقية كما أراك الآن واشعر بك قربي…الدرجات كثيرة حتى خلتها لاتنتهي تقود إلى انحدار نحو قاع ما… شعرت به دهرا حتى اعتدل المكان واستطعت أن امد قامتي … قلت ساعانقك واغمضت عيني قليلا، لكن لم يحدث شيء !


جزعت دون أن أدري أن قلبي في الخارج صرخ كالمجنون وهوى بين ذراعيك، التفت حولي كان جسدي فارغا دون نبضه ودونك… تقدمت ثانية إلى ممر آخر لكن صعودا هذه المرة… عادت الخطوات والانفاس اللاهثة والعرق المتسلل في الزوايا الضيقة للجسد ورطوبة المكان وعتمته تعيد إليّ احساسي (بالموت) الإحساس الذي يتبعني منذ فترة وحدثتك عنه، وصلنا إلى غرفة ما… مكان فسيح هذه المرة عبارة عن مسطبتين وجدران ولا شيء … لا شيء… كانت الجثة هنا… كان ينام ملكا ينتظر عودة روحه هنا، كنت مثله لثوان لكني كنت انتظر قلبي…. لا لم اكن انتظره… كنت بلا قلبي ولم أكن أنتظر مجيئة إلى هنا خوفا عليك.. أنا والفرعون نتشابه في أفتقادنا لشيء ما.. القلب والروح… لكنك روح القلب…كنت أحسن حالا من الفرعون الذي غادر مكان انتظاره عنوة….


مررت بعيني على الجدران، مسحت المكان بسرعة وعدت ثانية، قال الصديق العراقي : أنتما أحسن حالا مني وكان يقصدني وزوجته لأنه كان طويلا للغاية وعليه ان يطوي نفسه في دخوله وخروجه من القبر…. قلت لهم : هذا الفروعون مجنون لو كانت روحه ستعود ووجدته في هذا المكان لما دخلت إليه …


عدنا بسرعة، الطريق هابطا ثانية، لاحظت حفرة في السقف نستطيع ان نمد فيها قامتنا قليلا وكان بها هواء لم افكر من اين يأتي ولا حتى النظر في داخل الحفرة ، وقفت قليلا … تنفست ثم اسرعت في التقدم للخروج، كانت امراة امامي توقفت لتقول شيئا لقادم في الاتجاه المعاكس، وضعت يدي على الجدار ضغطت قليلا، ولم اكن اعرف ايضا أن قلبي تحسس صدرك وانحنى عليه قليلا…كم اشتقت إليك!


شعرت بأصابعي تنغمس بالدفء والهواء البارد… نظرت إليها … كانت اصابعي تبتسم لشعور لا تدري كنهة، وضعتها على جبهتي وصدري لثوان ومضيت وانا اشعر بان جسدي كله يتعرق انفاسه الاخيرة وقفنا ثانية في المكان المستقيم … مددت يدي لمست الجدار ثانية وحاولت الاتكاء عليه قليلا، كنت كأنني اخترقت الهرم إلى ذراعيك… فطبعت قبلة على شفتيك وسحبت نفسي من الجدار واسرعت بالتقدم نحو الدرجات الصاعدة ثانية، هذه المرة كنت المح الفضاء يتسع قليلا قليلا… تقدمت بسرعة وكأنني اهرب من موتي… لا لم اكن اهرب بل كنت افكر بك … قال لي الرجل الواقف على الباب :هي دي الكاميرا بتاعتك !


ولم اسمع ما اجبته به، ولم ار يدي تتناول الكاميرا … فقط ما كنت اعيه هو نظراتي الباحثة عنك… كنت هناك تبتسم ، عانقتك وكأنني لم ارك منذ دهر…تسلل قلبي إلى صدري وهمست بي شفتيك… (أحبك) فتسللت إلى صدرك مع قلبي فلم ير السياح ولا الناس جميعا سواك تنظر حولك وتبتسم …

أشياء........


كيف تتحول (الأشياء) إلى عيون تراقب تنفسي الهادئ، ابتسامتي الرائقة بعيدا عن الصحو، الضجر المتكوم في زاوية ما بين المكتبة والمصباح الكهربائي الكبير، الكتاب المقلوب على صفحة تنزف فجرا معلقا من معصميه ، الليل وقد تداعى قربي لينام في سريري، تتأملني بهدوء هكذا قبل أن تزورني الأحلام المباغتة، قبل أن تقبل جبين أيامي في عالم الموت الرائع كل تلك الوجوه، فتنقسم (الأشياء) وتتوزع بين هنا وهناك ، تجرح أصابع الزمان، تخربش عليه وجودها الملتبس، فتتوقف الكلمات على رؤوس أصابعها مشدوه تنثر الأسئلة الساطعة قربي،

كيف أستطيع أن أقول أنني رأيت امرأة أخرى تحمل ذات النظرة التي أحملها، وتقف على الحد الفادح من الفجيعة، وتملك الضياء ذاته الذي يحيلها إلى كائن أثيري لا يتوقف عنده الأحباب إلا قليلا في طريقهم إلى إنفاذ خناجرهم إلى الجدار خلفها،

كيف تتركني الشوارع التي ألفتها في الليالي البعيدة أنسج على أرصفتها أسراري كلها دون كلمة احتجاج واحدة... !

كيف تحملني هذه الجدران التي تنحني كلما فررت من دموعي إلى وسادتي، لتقبل جبهتي وتحنو عليّ وتأخذني كطفلة بين ذراعيها وتهدهدني فتتحرك كل كتبي وكأنها تنثر أجمل أبعادها في مسامات الجدران لتعطيني حلما واحدا سعيدا..

كيف أباغت هذه (الأشياء) الرائعة التي تحنو عليّ كل هذا الحنو دون أن تعود للتخفي بهيئتها الجامدة ؟؟؟

كيف أقول لك أيها الليل إنني ما زلت أجوب ثناياك كما المجنونة لأبحث عن يوم واحد لا يعلقني في مشنقته ويمضي تاركا إياي أتأرجح في جوف الفجر كراية منسية على سارية مركب مهجور ووحيد يدفعه الماء في ضجره وفي حزنه كما لو أنه يكتب سيرة الأبد..!

لن يعلم جنوني ماذا خبأت له من مسرات ..


يتركني الغبار ويرحل .. فأتمدد وحدي في سكون القبر لا أجد ما أفعله.. والليل يوشك أن يجيء .. تتطاول عليّ أحلامي.. أفكاري التي غاردتني للتو تأتي لتتأمل ملامحي الساكنة، تميل عليّ ضحكاتي المجهدة .. ترفع دمعة قبعتها وتجلس قربي..

تحيطني الكلمات كأنها سنابل للحصاد ... تميل نحوي... هل تعلم روحي كم هو واسع هذا القبر وجميل ؟؟... جميل على جسدي الساكن بملامح هادئة وتعرجات مفعمة بالأنوثة التي لم تتعلم بعد تهجئة حروفها النافرة...

أنظر..الأعوام تتكدس حولي... طفولتي الشقية... عنادي القاتل... مراهقتي .. يغادر جسدي طيفه ويعود طفلا يلهو بطائرة صغيرة وحلم يكبر ... هل تبتسم شفتاي الآن ؟؟ بدأ القبر يعتم والليل يدب في أوصاله.. لا أراني...الطائرة الصغيرة تحمل أصوات ضحكات بعيدة، موج غاضب... ويد.. آه من تلك اليد التي عاينت تفاصيل جسدي وركلتني للموت وابتعدت... هل جزع جسدي في القبر وحده !

تتقدم نحوه قصائدي الضائعة وتلك التي هربت بعدي ... تمسك بيدي... تبعث فيّ الدفء... فيتململ التراب تحتي ... لقد اعتاد البرودة والسكون .. قصائدي آثمة هكذا همس التراب وسمعته... لكن القصائد دافعت عني... عن دفء تمنحني اياه في قبري البارد... لم اشأ أن استمع لحوار عنيد.. لكن الريح التي اندلعت فجأة من قصيدة جعلت الرجفة تسري في عروقي اليابسة ... فجعلت تصفر وتهتز كأبواب مشرعة.. جزع قبري من هذه الضجة التي تزعج جيرانه الموتى... قال بصوت حازم أيتها الميتة... أوقفي الضجيج... قالت قصيدتي... للشاعرة موتها الخاص... قالت كلمة هجرتها زمنا... الشاعرة ماتت قبل الموت بعامين... جزعت أصابعي .. هل ستحاكم الآن ؟؟ قالت نملة تدب على جسدي ... سأرسم تفاصيل المقصلة وأعود.. يا إلهي لا يحاكم الشعراء ولا القديسون... قلت أنا لست قديسة ولا نبية لا ولست من الشهداء... قال قبري... لتموت الشاعرة مرتين وننتهي ... قال الحجر الذي يعكس ملامح وجهي الساكن... لا يحاكم الميت مرتين لقد دخلت هنا ممزقة فجمعناها... اقشعر جسدي... سيكتشفون أن نهدي الأيسر لم يكن معي...سيخجل جسدي من نقصه الفاحش... للمرأة نهدان لا تأكل بهما لكنها تتركهما لحببيب يقبض عليهما كطوق نجاة أو حلم يكاد يزول... قال الحجر ثانية...يجب أن يكتمل الجسد ليحاكم... هنا انكمش علىّ موتي أكثر... سيعثرون على النهد مراقاً في صفحة بيضاء كأنه قطرة نسيت أن تجف... كأنه الخفاء الذاهل عن ذاته...
تحركت كل الأشياء حولي...

كان على كل من أحاط بجسدي الميت أن يبحث عن النهد.. قبل أن يكتشفوا أن روحي غادرت قبل دقائق من إهالة التراب... كان على القبر أن يكتشف أنه لم يحرس جسدي جيدا... وأن جسدي لا يموت مكتملا إلا في الصباحات الماطرة وها انا أموت في صيف قاتل ... يحرق أصابع روحي كلما حاولت أن تلقي نظرة على جسدي المنتظر...

قطرة قطرة




قطرة قطرة....تتداعى روحي .. تشربني الصحراء تعيد خلقي وتنفخ فيّ الصهيل وتمضي إلى الغياب...فأقف وحدي وظلي يجلس متكئا على نصل هذا الصباح...تتدحرج الأعوام بي تدهس قلبي وتتقدم إلى حيث جنوني يضم إليه قامته ويحتضر...تقرأني الأرض كل صباح قبل أن نفترق في عراء اللحظات الضائعة... الحلم البعيد يعكس صوت الاله .. والمرايا تبدع لغة الحب التائه في الصدى*...وأنا وحدي مع الضجر نحاول النجاة من هذا الحريق المعوج.. لا أراني... اجزع حين يستيقظ الصبح فلا يراني .. تمر على طيفي آلاف الحكايات... تمد العيون نحوي تواريخ الرؤى .. لكن وجهي لا يستجيب... يا أنا الصامتة حد الحريق ... تتداعى الكلمات مني لكنها أبدا لن تعلن انتمائها للماء الراكد في رحم الخدعة... تميل عقارب جنوني نحو المغيب.. والصمت يحاول أن يتحلى بي..أنا المبعوثة في الصدى الماكر لوجة عتيق... لاتسألوني عني .. لست منكم .. ودروبي تظل وحيدة .. لا تسألوا عن تاريخ الكلمة/ النطفة في عروقي .. عن تاريخ اللعنة... عباءة الوهم الذي أدركني ذات يوم على بوابة العبور نحو الجحيم..هل مت ؟؟ قلتم نعم...فلعنت نفسي لاستظل بالخطيئة وألمس نبضي كإنسان منسكب على بوابة الاحلام التي تفتح للوطن ألف جسر من الطين المنساب كاللاجئين... هل جربت الظلال أن تعتنق المواجع في الخيام ؟؟الوهم يلامس روحي المنسابة مني كظل يفر أمامي... حلمي يراودني كلما انهمر في دمائة حنين النسيم في شرفات الليل... كلما نفضتني الريح كأوراق خريف ذاهلة عن موتها الحزين... أمرّ ما بين النبض الغابر والنبض الدافئ كقبلة فأصاب بالحريق .. كيف نموت مكبلين بالرغبة في الحياة ؟؟؟ أموت هكذا بلا صوت يجلجل في فضاء النحيب...سبع خطوات تفصل الجسد عن القبر والروح عن وزرها الأزلي ... متروكة هكذا بعد أن ذبلت الخطا القادمة ... يا روحي المكبلة بضياع الجسد الخائب... أنتظري
بقايا في بقاياي ستفر كي أراكِ ..بداية لنهاية التعب...بداية لبداية التعب... بداية للماء في رحلته الأخيرة نحو الانطفاء في وهم سحابة...تعود .. لا تعود... تبعث حرة ..أو تموت مرة أخرى

في زيارة ابي العلاء المعري


زفرة الحزن القديم...نبع شربنا منه معا ذات نحيب غافل، أتى بي إليك... قلبي الذي ينام على ذراعيّ كطفل تائه، كنت أسأل نفسي طوال الطريق هل سأراكَ ؟ هل ستكون في انتظاري ؟؟ كان الباص مكتظاً عن آخره حتى أن بعضهم جلس في الممر الضيق... كانت عيناي تبحثان في الوجوه عمن يشبهك.. فأنا منذ أن سكَنتني روحكَ لم أستطع إلا البحث عنك في كل الأماكن والوجوه وحتى في مرآتي التي تعتم باستمرار وكأنها تتهيب من مباغتتك إياها...

الدنيا تشبه متاهة كونية ضخمة أسمع فيها صوتك يناديني .. وأتخيل يدي تمتد إليكَ ... لكن المقصلة تلاحق الصوت واليد بلا هوادة وكأنها لعبة قدرية لا تلين... السائق كان مصّرا أن يسمع أغاني عاطفية ساذجة وكانت ذاكرتي تأبى إلا سماع صوتك المحمل بالبهجة والدفء وهو يلفظ اسمي بلا كلل ويحيط روحي بذراعين من حنان، حضر آخر الركاب ومضينا... عرفه الجميع ... رجل خمسيني نحيل جدا وملابسة قذرة جدا لكن في وجهه رأيت صورة حفظتها ذات حلم لرجل مجنون ينام في البرية ويصرخ في وجه الكون ويحلم...

كانت القرى تعبر في طريقنا كأشخاص يشيرون إليّ، يمدون أيديهم وكأنهم يستعجلون وصولي... خفت أن تذهب قبل أن نلتقي... أغمضت عينيّ وحلمت بك... كنت تنام في حضني مبتسماً وأحطت وجهك بذراعي...

خفق الحزن في قلبي... كان المجنون يبتسم... الهواء البارد يلفح روحي... اللافتات كانت صامته... مزروعة على جانبي الطريق بلا مبالاه... تنظر للعابرين ... الأشجار وحدها كانت ترفع إلي ابتساماتها الخضراء... فكنت أنزل لأجلس معها قليلا كي أسمع ثرثرتها ونراقب معا الذاهبين...حتى إذا ما استأنست بي أخذت بالنحيب... وانحنت على صدري لعناق عابر...
الطريق امتد أكثر مما يجب... وصلنا بعد ثلاث ساعات أو أربع كنتَ تجلس قربي وكنت أضع رأسي على صدرك وكنا نحلم...

استعدنا رحلة العبور إلى نطفة آدم ولغة الله قبل أن يخلق الكون... كنا نسبح في انحناء الكاف والنون... كنا نستعيد ذاكرة لم تولد بعد... قلتَ لي سنخلق معجزة...
فأخذني الأمان إلى النوم حتى اسندت رأسي صديقة لي قائلة .. لقد وصلنا...

مشينا قليلا قبل أن ندخل في متاهة السوق الأسبوعي ... كل هذا الضجيج...وكل هذه الاشياء... يا اللهي كيف استطعت أن تنتظرني هنا ؟؟؟

امسكتَ يدي، قدت خطاي... فلم أعد أسمع شيئا، كنتُ تائهة لولا إحساسي بأصابعك وأنفاسك ..
- من هناك .
أخيرا وصلنا...
تركت صديقتي تتحدث مع الأشخاص الذين يجلسون قرب الباب وذهبت إليكَ ... لم أكن تعلمت بعد كيف يكون عناق المحبين أو قبلاتهم... فأربكني جنونك..
كيف باغتوك هكذا ؟؟ كان القبر شامخا... وما يحيط به يبدو لي وكأنه خدعة سافرة.. غضبت... لكني لم أملك سوى الجلوس قربك بصمت...
خفق الحزن في روحي...
فعلمت أننا في طريقنا للمقصلة....

كنت الآن أضع عني أوزار الابتسامات الفارغة...الضحكات الكاذبة... كنت أفسح للنحيب الذي في داخلي أن يصرخ بكَ ... كيف قتلتني هكذا ومضيت إلى نومك الهادئ ؟؟

كنتُ خائفة... وكان صوتي يترنح كالثمل...حروفي تفر مني... وكلماتي لا تشبهني.. هل أعود ؟؟؟
لكن القبر أغلق بابه ونحن الآن في المحجة لا نفقه لغتنا التي ابتكرناها ذات غياب رحيم...اسمي ... اسمك ... اسمينا ملتحمين... منفصلين....
كلماتنا... رسائلنا... أحلامنا أوجاعنا...

فقط تلك الدموع التي فقدت جذورها في روحي ... كلما حاولت اقتلاعها من جهة انفجرت من جهة أخرى... هاوية الدمع ... تجرني إليها، عند باب قديم فقدت أصابعنا تشابكها... أخذت خطانا تعدو ...

ونعدو خلفها... الصحراء تكبر فينا... القبر أصبح سماءً وأرواحنا معلقة كالنواقيس في فضائه القاتم...

مضيت إليك عبر مئات المجرات الكونية... لتحيطني ذراعاك...أخذني صوتك كالهاجس إلى مصيري المحتوم....
أيها الذاهب فيّ جئتك لتعيد إليّ وجهي النقي... لغتي المائية ... وقلبي الذي تناثر كالرماد في مرقاتك المجنونة....فكف عن الغياب وأعلن موتي لأنهار كتلة من رمال هاجمتها الريح... لأعود إلى غيابي القديم ...
لأموت ...أموت...
...
كان القبر صامتاً كعادته...حين غادرنا... لم تعرف صديقتي أن في القبر ينام جسدان... وفي روحي يرقد نبعان للنحيب...والصمت.

الثلاثاء، 10 يونيو 2008

بين أفقين من الشعر...


" أيها الماكر الذي يظن أنه يستطيع أن يقبض عليّ بالجرم المشهود.. (الشقاوة) بعيداً عن الكلمات والكتابة لأنه يظن نفسه كالآلهة التي ترصد البشر وتحاول أن تستدرجهم إلى ما تريد … "
وأنا أتجول بعينيّ في الأساطير تخيلتُني عشتارا … يا للوقاحة المطلقة … تلك الصامتة الخجولة تتخيل نفسها عشتارا .. لمَ لا ؟ عشتارا بكل ما فيها من جنون … لا لقد عدلتُ عن ذلك فعشتار فشلت في استدراج (جلجامش) للزواج بها… مفضلا إنكيدو عليها . . يا للفشل الذريع الذي منيت به تلك الخائبة… عدلتُ عن كوني عشتارا . . لأكن أخرى . . إحدى آلهات السماء … لمَ لا أكون إلهة احتجبت عن رواة الأساطير .. إلهةً سيدةً للشعر وملهمته، على سلّم ضحكاتها يصّعَّدُ الشعراء ويغرقون في دفء الصوت الماكر المغري حد الجنون… يأخذون ما طاب لهم من قصائد تمجد الحب والحرب والجنون وحتى الموت… وتأذن للشعراء الحقيقيين منهم أن يقتربوا من شفتيها .. فتنفحهم ريحا طيبة تعطيهم في كل نفس مائة عام من الخيال… لكن هناك شاعرا واحدا رفض أن تبعده الريح عن ثغرها لأنه علم أن في تلك القُبلة سيكونُ خلودَ شعرِه … أمّا الماكرة عرفت ما أراد فكلما دلّت له وحي الشعر وصعد على سلّم الصوت … حتى غدا الفم على مشارف الرؤية قفزت راقصة في السماء تاركة إياه يسقط إلى سريره الفارغ متدثّرا بأوراقه البيضاء … مرسلة عليه لعنتها الماكرة … فكلما كتب كلمة تشاجرت حروفها وامّحت .. فيعود إليها يرجوها أن تدعه لمرة واحدة وأخيرة يتسلق صوتها لتعطيه نفحة واحدة تحيي فيه الخيال ورغم أنها شكّت في نواياه فقد أخبرته أنها موافقة على شرط …
(عليك أن تكتبني كتابا لم يكتب مثله أحد من قبل…)
وافق … على أن تقترب منه كما يقترب البشر من بعضهم…
وافقت . . . وتركته لتذهب في رحلتها اليومية … تطوف في طباق السماوات وتنزل إلى الأراضين السبع .. تسبح فيهما وما بينهما وتعمل المقالب في الآلهة الأخرى … تربط أحذيتهم ببعضها أو تضع عراقيل غير مرئية في دربهم ليسقطوا في شراك عدة … تضحك وتضحك حتى اهتز لضحكها الكون .. وتشعر بالخفة وأنها قادرة على الطيران حتى نهاية الخليقة … لقد ضجرت من رحلات الشعراء غير المجدية فقررت أمرا.. عليها أن تسخر من ذلك الشاعر الذي يظن نفسه سيد الشعر على الأرض كما هي سيدة الشعر في السماء…كان عليها أن توقعه في شر أعماله… لكن كيف ؟؟؟

عزمت في هذا اليوم أن تهبه أكثر مما طلب .. وأن ترسل صوتها بغناء ملائكي لا يستطيع مقاومته أعتى البشر …. لتتسلق صوتها البشرية جمعاء , ليكن العالم كله شعراء …ليتحول الكون كله منافسا لذلك الشاعر المغرور وسوف ترسل له عاصفة تغرقه في الخيال..حتى لكأنه عاش حياته مع حياتها… ليكون إلهاً وبشراً في آن … لتأخذه العاصفة إلى الباب المفضي إلى العالم العلوي والعالم السفلي… ليتجول كما شاء ما بين الأحياء والأموات وما بين البشر والملائكة … ليكون كما يشاء .. ليرتدي حيوات الكائنات كلها ويخلعها كما يخلع معطفه… لينمو كالطحلب بين الشقوق أو يكسو وجه الماء كالنسيم…ليحلق طيرا أو يسقط حجرا في واد… ليرافقها في جنونها مرة واحدة ليموت ويعود حيا … تلك التجربة التي لم يجرؤ عليها بشر..ليظن أنه سيتغلب على كل شعراء الدنيا… ستجعله يفر هاربا من منافسيه متبعا سلما عاموديا نحو الأعلى حتى إذا تفوق عليهم جميعا وإن كان هذا مستحيلا رغم ما أعطته من أسلحة .. إن فعل سوف يموت كما تموت النجوم…. ضحكت من خطتها وتخيلته يهرع إلى الأعلى يلاحق الخيال ويلاحقه الشعراء الآخرون …وعندما ضجرت من لعبها في السماوات والارض نامت قليلا لتفاجأ به يناديها… يا ربة الشعر….
(ها هو الكتاب لم يكتب أحد مثله من قبل ) .. فيه أسرار الكون وصوت الإله … وفيه نفحة من تنفسكِ الهادئ وفيه جنونُك المكنون وفيه … لم تعد تسمعه لقد كان الكون يشرق من كلماته الماثلة أمامها بخشوع … وكان عليها أن تفي بشرطه الذي سيحطم أحدهما … إما أن يجعله إلها وإما أن يحولها بشرا فانيا….

كان ينتظر وكان عليها أن تقرر… وحتى تنفذ من مأزقها … " بمكر أطلقت النور
انزلقت يدُها من كف الليل
الذي مضى ليبحث عن الكلمات
الهلعة
الهلعة من أن لا تدخل الشعر" .

الثلاثاء، 20 مايو 2008

ضفاف وماء



ضفاف وماء ...
أنت قربي، أغسل بعض الملابس وأعلّقها على حبل في مقابل النهر، أراني وأنا أجلس على ظهر المركب أراقب انفعال الماء... ولا أجد حرجا من التوحد بك في اللحظة ذاتها، امرأة تقف على حافة النهر وأخرى تنظر إليه من داخله وثالثة عاشقة تجمع شتات الروح كلمات ...
كيف استطعت أن أكون ثلاثة وفي قلب كل منهن أنت واحد ؟؟
بالأمس جلست طويلا وحدي في الليل، أرقب حركة المركب البطيئة ونبض قلبي...
أستدعي الأحباب وأتحدث إليهم ...
- عايدة شو مالك ؟؟
ابتسمتُ، أمي دائما تعرف ما بعينيّ وتعرف مساحة الليل التي أتجول فيها..
- لا شيء فقط هذا النسيم الجميل .. الماء والعتمة ...
كانت تراقبني بمحبة وكنت أشتاق إليها كثيرا ...عدت في الدرب ثانية ..صغرتُ .. "أم الجدايل الذهبية" تخرج من ملامحي الثلاثينية ..اقتربتُ منها، أخذتْ رأسي على صدرها وضمته بحنو..أخذت تهدهدني
- نامي يا صغيرة نامي تذبحلك الحمامة ..
يا حمامة ما تخافيش بضحك على عايدة تتنام...
نمتُ قليلا...ابتسمتْ نبضاتي كان الماء ينساب من مسام جسدي وكأنه بعث ... أنا الآن أتوحد مع النهر والليل... الصوت يزداد بهاءً كأنه موجة حانية، أرفع رأسي
إلى وجه أمي
- لا أريد للحمام أن يخاف...
تضحك أمي تضمني ... تقول بشوق
- الحمام ما بخاف من الشلبية (الجميلة)
- وهل أنا جميلة ؟؟
تمسك بالجديلة تتحسسها، تمسح على رأسي ... تبتسم
- أنت ست البنات
أضحك
- وغزال أيضا...!
أرفع راسي ..إليها.. أنظر، كان أبي يجلس بالقرب..ينظر إلينا بعيونه الزرقاء وروحه المشرقة دوما، حاول إغاظتي
- طبعا غزال...!
- كل فتاة بأبيها معجبة و تشبهه..
يبتسم ... أسأله بمشاكسة : هل أشبهك ؟؟
- لا ..
ألمح ابتسامته ورغبته بأن أؤكد أنني أشبهه لذا أقول
- دائما نختلف !
يبدأ بالحديث عن عبد الناصر وعن الثورة وعن كثير من الأمور التي أصغي لها بصمت ولا أعلق إلا قليلا...
يحاول مشاكستي ... جرّي لجدال ما... لكني أبقى على ابتسامتي وصمتي...
يصمت.. تصمت ضحكته... فأمد يدي وألتقط يده...
- كم اشتقت لمشاكستك وعيونك الزرقاء وضحكتك المشاغبة !
يبتسم بارتياح...
أنهض باتجاه سور المركب... أنظر في الأفق... الأشجار التي تحيّينا وتنصرف ... البيوت البعيدة المضاءة لتعطي لهذا الليل بهاءً وشجنا جميلا...
أتجول قليلا ... حركة المركب الهادئة وأنا فوقه راية مطمئنه ترنو إلى الأفق البعيد ... أفكر بالعجوز الذي قابلته بالأمس... لقد تحدثنا كثيرا قال " لو لم تكوني حدثتني على الأغلب ما كنت سأتحدث معك.".
يبتسم ... يتابع
- غدا سأتصل بك لأسألك عايدة كيف حالك..عايدة ..
يلفظ اسمي بطريقة جميلة .. أبتسم له، يصر أن يعطيني الدليل السياحي عن مصر فهو لم يعد بحاجة إليه لأنه سيكون بعد يومين في لندن، ألمح في عينيه رجاء أن أقبل، يصر
- هذه هدية
ابتسم له
- شكرا لك..
الليل يوحي إلي أن اقرأ شعرا.... أفتح الحاسوب... أبدأ في الكتابة فأجدكَ تحتل الصفحات.... لا أقوى على لعنكَ... لقد جهزتُ لك " تعويذة" سأهديكَ إياها حين أراكَ أو هي "لعنة" ستبقى للأبد...
فاجأتني
- ماذا تكتبين...؟
أخفيتُ شاشة الحاسوب ضاحكة " لم اكتب عنكَ شيئا.."
قلت بمكر " كاذبة ..."
ضحكتُ ... لقد تعادلنا ... قلتُ لك بالأمس حين أخبرتني أنكَ لم تعد تحبني " كاذب "
وها أنتَ تنعتني بالصفة ذاتها...
قرأتُ لكَ قليلا ...ثم رفعتُ نظري إليك كنتَ تنظر إليّ مباشرة ...
- تعال ِ نرقص ..
أخذتُ يدكَ ... أغلقتُ الحاسوب ومضينا إلى الداخل... كان الجميع يرقص، أخذتني بين ذراعيك... وضعتُ ذراعيّ حول عنقكَ... نظرتُ إليك طويلا قبل أن أبتسم وأذهب بنظري بعيدا عنك
- لماذا تبتسمين...
- أرغب في تقبيلكَ ... همست لكَ
قلتَ لي "ولماذا لا تفعلين...؟"
أجبتكَ " أخجل..."
قطبتَ حاجبيك َ " من الناس..؟"
- بل منكَ...
رفعتَ وجهي إليكَ ... قبلتَ شفتي ... ابتسمتَ قلتَ
- أنا لا أخجل منكِ
وضعتُ رأسي على صدرك وأخذنا ندور...
- لقد حلمتُ أننا سنرقص معا على ظهر مركب في النيل...
- يا عايدة هذا لم يكن حلما...
- ؟؟
- لقد كنا نرقص على ظهر مركب في النيل يوما... وها نحن نصل ذلك اليوم ونتوحد به..
أضع إصبعي على شفتيكَ، أعيد رأسي إلى صدرك، أضمك بعمق، أرفع رأسي ..أبتسم لك..
- فكرتُ ثانية..
- بماذا ؟؟
- لن اخجل منكَ وسوف أقبلكَ..
تضحكْ...
أعود لحاسوبي... أكتبُ لكَ رسالة أخرى ... أشعر بشوق شديد إليكَ...
أرفع رأسي .. أرى إبتسامة أمي.... ضحكتها النادرة...
أقول لها وأنا أعيد رأسي ثانية إلى صدرها الحنون
- أريد أن أحظى بقليل من السعادة ..
فأشعر بدفق من الحنان يلفح روحي،
تضمني إلى حضنها الدافء ونبتعد في أعماق الليل ....